في السنوات الأخيرة بدأنا نسمع كثيرًا عن “الحوسبة الكمّية” وكأنها شيء خارق سيغيّر العالم.
لكن ما هي بالفعل؟ ولماذا تتحدث عنها Google وIBM والحكومات؟
ولماذا هي مختلفة عن الحواسيب التي نستخدمها اليوم؟
دعنا نشرحها بأبسط طريقة ممكنة، وبأمثلة من حياتنا اليومية.
أولًا: الحواسيب الحالية… كيف تعمل؟
أي كمبيوتر أو هاتف في العالم يعتمد على شيء اسمه البت (Bit).
البت له حالتان فقط:
- 0
- 1
ولأن كل شيء داخل الكمبيوتر يتكوّن من ملايين البتّات، فكل ما نراه — التطبيقات، الألعاب، الصور — هو في النهاية سلسلة طويلة من أصفار وآحاد.
الكمبيوتر التقليدي ممتاز في كل شيء نستخدمه يوميًا:
البرمجة – الألعاب – الذكاء الصناعي – العمليات الحسابية – المتصفحات…
لكن هناك مشكلات ضخمة جدًا لا يستطيع حلها بسرعة، مهما كانت قوته.
ثانيًا: بعض المشكلات أكبر من قدرة أي كمبيوتر تقليدي
مثال بسيط:
تريد أن تعرف كيف تتصرف جزيئات دواء جديد داخل جسم الإنسان.
هذا يتطلب حساب تفاعلات ملايين الذرات مع بعضها.
الحواسيب التقليدية يمكنها عمل هذا — لكن في سنوات.
لذلك، الباحثون يضطرون لتجربة الدواء في المختبر بدلًا من محاكاته بالكامل.
وهنا تأتي الحوسبة الكمّية.
ثالثًا: ما هي الحوسبة الكمّية؟
هي نوع جديد من الحواسيب مبني على قوانين غريبة من العالم الذرّي (العالم الكمّي).
لكن لا تقلق — لا تحتاج أن تفهم الفيزياء لتفهم الفكرة.
الحاسوب الكمّي يستخدم شيء اسمه:
الكيوبت (Qubit)
الشيء المدهش هو أن الكيوبت يمكن أن يكون:
- 0
- 1
- 0 و 1 معًا في نفس اللحظة
وهذا بفضل خاصية اسمها:
التراكب (Superposition)
تخيّل أنك ترمي عملة، وتكون صورة وكتابة في الوقت نفسه.
هذا ما يفعله الكيوبت.
رابعًا: ماذا يغيّر هذا؟
بدل أن يجرب الكمبيوتر التقليدي احتمالًا واحدًا كل مرة…
الكمبيوتر الكمّي يجرب آلاف أو ملايين الاحتمالات في وقت واحد.
ولذلك هو مناسب لمشكلات ضخمة جدًا — مثل:
- اكتشاف أدوية جديدة
- تصميم مواد للطاقة النظيفة
- محاكاة الجزيئات والذرات بدقة
- حل مشكلات لوجستية هائلة
- تحليل الأنظمة البيولوجية
- كسر بعض التشفيرات المعقدة
- تحسين الشبكات الضخمة (مثل خرائط Google أو شبكات الكهرباء)
هذه المشكلات تعجز عنها الحواسيب التقليدية مهما كانت قوتها.
خامسًا: تشبيه بسيط جدًا
تخيّل أنك في مكتبة فيها مليون كتاب وتبحث عن جملة محددة.
الكمبيوتر التقليدي
سيبحث كتابًا تلو كتاب.
قد يستغرق ساعات أو أيام.
الكمبيوتر الكمّي
وكأنه يستطيع “فتح كل الكتب في نفس اللحظة” والبحث فيها جميعًا دفعة واحدة.
ليس لأنّه أسرع…
بل لأنه يعمل بطريقة مختلفة تمامًا.
سادسًا: هل سيستبدل الحواسيب العادية؟
الإجابة: لا.
كل جهاز في العالم سيظل يعمل بالحوسبة التقليدية.
أما الحوسبة الكمّية فهي مخصصة لنوع معين جدًا من المشكلات:
- الكيمياء
- الفيزياء
- الأمن السيبراني
- اللوجستيات
- الطاقة
- علم المواد
- البحث العلمي الضخم
لن تستخدم كمبيوتر كمّي لتصفح فيسبوك أو لعب PUBG.
سابعًا: ما وضعها اليوم؟
نحن ما زلنا في المرحلة المبكرة.
أجهزة الكمّ الحالية:
- صغيرة
- باهظة
- تحتاج تبريدًا شديدًا
- عرضة للأخطاء
- مخصصة للباحثين فقط
لكن Google وIBM وMicrosoft وغيرها تقترب من تحقيق “ميزة كمّية” حقيقية —
وهي مرحلة تصبح فيها بعض الحسابات أسرع بملايين المرات مقارنة بالحواسيب التقليدية.
وجائزة XPRIZE Quantum Applications مثال على ذلك السباق العلمي العالمي.
الخلاصة
الحوسبة الكمّية ليست “كمبيوتر خارق”…
بل طريقة جديدة كليًا للحساب تعتمد على قوانين غريبة جدًا تعمل في مستوى الذرات.
وبسبب تلك القوانين يمكنها حل مشكلات:
- يستغرق حلها آلاف السنين على كمبيوتر عادي
- لكنها تُحل في ثوانٍ على كمبيوتر كمّي
إنها ليست ثورة في السرعة…
بل ثورة في الطريقة.

